مدونات الإنترنت “البلوجرز” - مجلة المجتمع

“البلوجرز”.. قنابل سياسية.. ومنتديات اجتماعية!

غلاف المجتمع العدد 1707
غلاف المجتمع العدد 1707

بعد “نشطاء الإنترنت”، و”أحزاب الإنترنت” و”المواقع الإلكترونية” الذين فتحوا مساحات محرمة من النقاش السياسي والاجتماعي في مصر والعالم العربي، ظهر “بلوجرز مصر” أو “المدونين” الصغار الذين يدونون أحداثاً مصرية مختلفة، ويفضفضون بحرية أكبر على الشبكة العنكبوتية ويشاركون في الهم العام على طريقتهم الساخرة، وينشرون يوميات لا تجرؤ الصحف أو مواقع الإنترنت الكبرى على الحديث عما يدور بها من مواد صريحة وثورية!

المدونون اختاروا هذه الطريقة التي تشبه الصراخ أو الثورة في التدوين، بعدما واجه بعضهم من أصحاب التوجه السياسي مخاوف القبض عليهم في المظاهرات، أو لخوف البعض الآخر خصوصاً النساء في المدونات الاجتماعية من الحديث عن مشاكلهن الأسرية بمثل هذه الحرية إلى حد النقد اللاذع للأزواج أو كشف فضائح اجتماعية لا يجرؤن على كشفها علناً أو الإفصاح عن شخصيتهن فيها!

وخلال عامين من بدء نشاط المدونين المصريين، تحولت المدونات إلى واحة للتغلب على الإحباطات في الحياة السياسية والاجتماعية، من خلال الكتابة في مدونة خاصة ينشئها كل شاب وفتاة بحرية تامة وبلا مقابل على شبكة الإنترنت، إلى جانب أنها تحولت إلى محاولات لكسر المحظورات في الفن والسياسة والدين والأدب بالحديث عن كل شيء وأي شيء وضد كل شيء!

م دخلت عالم المدونين أو “البلوجرز” المصريين والمصريات، وغاصت في المشاكل السياسية والاجتماعية التي يتحدثون عنها ولماذا تحولت هذه “البلوجرز” إلى ما يشبه القنابل السياسية التي، يخشاها النظام الحاكم، الذي اعتقل أشهر المدونين المصريين مؤخراً.

ما هو ال “بلوجرز”؟

البلوجرز (Blogers)مصطلح جديد نسبياً تصاعد انتشاره بين قطاعات واسعة من مستخدمي شبكة الإنترنت حول العالم خلال الحرب على العراق، خاصة داخل الولايات المتحدة وأوروبا، ونال شهرته منذ ذلك الحين.

وكلمة “البلوجرز” كما يقول جمال غيطاس رئيس تحرير مجلة (لغة العصر) مأخوذة من الكلمة الإنجليزيةWeb log) ) التي تعني الدخول على موقع بشبكة الويب بالإنترنت، وجرى اختصارها في الاستخدام اليومي على الشبكة إلى Blog، ومن كلمة Blog تم اشتقاق اسم الفاعل للكلمة، فتحولت إلى Blogers وأصبح يقصد بها أصحاب هذه النوعية من المواقع الشخصية الحرة.

وغالباً ما يسمي “البلوجر” اسم موقعه باسم وهمي أو كوميدي أو سياسي ساخر، أو قد يسميه باسم يعبر عن حالات الفساد أو الإحباط أو التعبير السياسي أو الاجتماعي الذي يرغب في الفضفضة فيه عما يريد، مثل تسمية مدونة أو بلوجر باسم “خربانة يا جدعان” للتعبير عن رأي صاحبها في الأوضاع الاجتماعية أو السياسية، وتسمية سيدة لمدونتها باسم “أيوه خدامة” كي تعبر من خلالها بسخرية عن الأحوال البائسة للمرأة المتزوجة من رجال لا يفهمون معنى الزواج الحقيقي، وترغب في التخلص من سطوته بالطلاق والعمل كخادمة تتقاضى أجراً وتشعر بكيانها، بل إن هناك مدونة لفتاة صغيرة في مدرسة ثانوية تروي فيها بعفوية واقع الحياة اليومية الواقعي في المدرسة والشارع والأتوبيس (الحافلة).

متى ظهرت البلوجرز؟

ظهر البلوجرز بداية في أمريكا عقب أحداث 11 سبتمبر 2001م، في صورة فضفضات عن تغير أسلوب الحياة الأمريكية، وتفسيرات لتفجيرات أبراج التجارة العالمية، ولكنه ظهر بصورة واضحة قبل الحرب على العراق في أبريل 2003م في صورة احتجاجات من قبل بعض النشطاء على الحرب، خصوصاً الجماعات المعارضة للحرب والمدافعين عن حقوق الإنسان من الأمريكيين والأوروبيين الذين سافروا إلى العراق كدروع بشرية قبيل الحرب .

وتصاعد نشاط هؤلاء مع تحول بعض الأجانب المقيمين في العراق إلى “بلوجرز” مدونين أنشؤوا لأنفسهم مواقع تنتمي لهذه النوعية قبيل اندلاع الحرب، ومع دخول أجواء الحرب ثم اشتعالها، بدأ دور هؤلاء البلوجرز يظهر بشكل كبير كوسائل إعلام مضادة لوسائل الإعلام الأمريكية الرسمية التي تكذب على الأمريكيين وتصور الأمر على أنه تخلص من أسلحة الدمار الشامل التي ثبت فيما بعد أنها مجرد حجة للغزو، حيث بث هؤلاء البلوجرز على مواقعهم أخباراً بشكل مستقل عن وسائل الإعلام الأخرى تتضمن تفاصيل يومية دقيقة وقصصاً إنسانية عن العراقيين الأبرياء الذين قتلوا على أيدي قوات الغزو.

ولبيان أهمية هؤلاء البلوجرز في كشف حقيقة الغزو الأمريكي للعراق، تقول “إليزابيث لاولي” الأستاذ المساعد بإدارة تكنولوجيا المعلومات في معهد روشستر للتكنولوجيا: إنهم (البلوجرز) “جعلوا المشكلة مع العراق أكثر إنسانية، فحينما ذهبنا إلى فيتنام لعب التلفزيون دوراً في تغيير صورة الأوضاع هناك، وغير بالتالي رأي الأمريكيين في الحرب، وقد قام البلوجرز بدور مشابه هذه المرة بعدما وفروا للناس منتدى عالمياً حول المشكلة وأعطوا لقطات سريعة للحياة في البلد الذي وقعت به الحرب “وبالصوت والصورة”!

“البلوجرز” يهزمون الصحافة ب “القاضية”!

بل إن البلوجرز هنا تفوقوا على كل وسائل الإعلام الأخرى وعلى الصحافة، حيث وفروا ما هو أكثر من المعلومات، ووظفوا التكنولوجيا كأداة تساعد الناس على إخراج مشاعرهم حول الحرب، وأتاحوا الفرصة لمن يرغب في التعبير عن رأيه والتنفيس عن المشاعر المتضاربة حول الأزمة من التأييد المطلق إلى المعارضة المطلقة، ومنه ظهرت المعارضة الشعبية الكبيرة للحرب في العراق وبدأت تخرج المظاهرات المعادية.

وقد نالت بعض مواقع البلوجرز التي عاش أصحابها الأمريكيون أو الأوروبيون في العراق خلال وعقب الحرب شعبية ضخمة وأصبحت مراجع للأمريكيين ومنها استقى لاحقاً المدونون المصريون خبرتهم خصوصاً أنها كانت تصف بدقة ما يجري من معاناة إنسانية للعراقيين وتوثقها بالصورة.. والأهم أن هؤلاء البلوجرز يتميزون عن الصحافة وحتى التلفزيونات في سرعة النشر، ويوفرون بجانب الخبر والصورة، التعليقات والتحليلات السياسية والقصص واليوميات والمشاعر، ما يجعلهم متفوقين على وسائل الإعلام الأخرى، بل منافساً قوياً لها لأنهم يصلون للمعلومة أسرع من الجميع، وفي كثير من الأحيان تنشر عنهم وسائل الإعلام الأخرى، خصوصاً أنهم توسعوا في استخدام كاميرات الفيديو الرقمية لتصوير المظاهرات والمواجهات مع الشرطة إن حدثت، ثم بث لقطات مطولة على مواقعهم في اليوم نفسه.

وربما يكون الفارق الوحيد هو معيار (الدقة والمصداقية وتوثيق المعلومة) الذي تحرص عليه الصحف ووسائل الإعلام الأخرى، في حين لا يتوافر هذا في البلوجرز الذي يكون غالباً آراءً وأخباراً وتعليقات “متحيزة” لجانب ما وفكرة ما وذات طابع يحمل الرأي الشخصي.

البلوجرز “المصريون”

مثلما انتشر “البلوجرز” الأمريكان ولعبوا دوراً سياسياً في كشف ممارسات حكومة بوش في العراق، بدأ “البلوجرز” المصريون الدخول إلى عالم المدونات من ذات المدخل السياسي، وسعوا للاستفادة من هذه الصفحات المجانية على الإنترنت لعرض آرائهم فيها بحرية ما بين صفحات أدبية وفنية وسياسية وشخصية واجتماعية، حتى وصل عدد المدونين المصريين منذ بداية ظهور المدونات قبل نحو عامين إلى أكثر من ألف مدون (بلوجر).

ويمكن القول: إن بداية هذه المدونات المصرية تعود إلى منتصف عام 2004م حينما تصاعدت حملة رفض توريث الحكم في مصر وخرجت مظاهرات لحركة “كفاية” في ديسمبر لأول مرة تعارض توريث الحكم، وتعاظمت أكثر خلال عام 2005 مع الاستعدادات الصاخبة لانتخابات الرئاسة المصرية وانتخابات البرلمان، في صورة مدونات تتحدث عن آراء أصحابها عن فكرة التوريث وانتشار الفساد والإصلاح والتغيير، وتضع صوراً للمظاهرات التي تخرج أو أخبار عنها، وعن ندوات ومحاضرات وتصريحات حول هذه القضايا الجدلية.

واللافت أن أشهر البلوجرز المصريين الذين دشنوا أولى هذه الصفحات السياسية كانوا من التيار الليبرالي أو اليساري أو الناصري، إضافة إلى التيار الإسلامي خصوصاً جماعة الإخوان المسلمين.

وكان أشهر هذه البلوجرات بهية Baheyya - الذي ينشر بشكل أساسي باللغة الإنجليزية ما سهل تصفح الأجانب له ومتابعتهم من خلال هذه المدونات لكل ما يحدث في مصر.

ومع انتشار المدونات السياسية، بدأت تظهر المدونات الاجتماعية التي تناقش قضايا اجتماعية مثل الزواج والطلاق وشؤون الأسرة والزواج العرفي والسري وأسباب الخيانة الزوجية وغيرها. وتكمن أهمية هذا النوع الاجتماعي أنه كان عبارة عن مفكرات إلكترونية على شبكة الإنترنت تروي فيها فتيات وسيدات ورجال تجاربهم الشخصية الحقيقية بحرية وبلا رتوش، ويدون فيها المشتركون تعليقاتهم التي تبث بشكل مباشر ولحظة بلحظة على هذه المواقع الخاصة التي يسهل الاطلاع عليها.

كما قام بعضها بتغطية سريعة لأحداث الاعتداءات على ناشطين وناشطات في يوم الاستفتاء على تعديل الدستور في مصر، ووقائع الانتخابات الرئاسية والبرلمانية العام الماضي، والمظاهرات المؤيدة للقضاة.

بل إن هذه المدونات خاصة المكتوبة باللغة الإنجليزية والفرنسية (حوالي 50% من المدونات المصرية) كانت وراء التعريف باعتقال عدد من المدونين المشهورين ونقل هذه الأحداث للخارج، حيث نشرت عنهم الصحف الأمريكية والأوروبية واليابانية تفاصيل كثيرة، وبدأت الاهتمام بهم باعتبار أنهم صوت المعارضة الحقيقي في مصر لا الأحزاب السياسية (24 حزباً) المجمدة أو التي تعيش مراحل غيبوبة متفاوتة.

وكان الاهتمام الغربي الأكبر بمدونتي “بهية” http//baheyya.blogspot.com التي تخصصت في التحليل السياسي، وزارها نحو عشرة آلاف شخص بعد حديث “هيكل” عنها، و”منال وعلاء”

http//www.manalaa.net

التي دشنها زوجان من نشطاء حقوق الإنسان وحصلت على جائزة منظمة “مراسلون بلا حدود” كأفضل مدونة باللغة العربية، بل ووُصف علاء واسمه علاء سيف الإسلام بأنه رائد المدونين في مصر وهو محتجز حالياً لاشتراكه في المظاهرات، حيث يشير موقع:

http//www.egybloggers.com

الذي يرصد عدد مواقع البلوجرز المصريين إلى أن عدد هذه البلوجرات بلغ 1034 مدونة 559 موقع منها (بنسبة 53%) باللغة العربية، و469 (45%) باللغة الإنجليزية، وستة فقط (0.6%) باللغة الفرنسية.

كذلك فاز الموقع نفسه “منال وعلاء” بجائزة الإذاعة الألمانية لأفضل موقع تدوين عربي في مجال حقوق الإنسان.

الكتابة بديلة للانتحار!

ويستخدم العديد من مدوني مفكرات الإنترنت (البلوجرز) المصريون عبارة “الكتابة عندي بديل للانتحار” للشاعر الراحل أمل دنقل، كشعار دقيق ومعبر لكثير من مواقعهم، في إشارة إلى أهمية هذه البلوجرات، سواء كانت مدونات سياسية للفضفضة بديلة للإحباط السياسي، أو مدونة اجتماعية للشكوى من أوضاع وظروف حياتيه صعبة قد تكون هي الحل لعدم لجوء المدونين لأساليب أخرى أكثر عنفاً مثل قتل النفس أو قتل الزوج (في حالة الزوجات المضطهدات)!

وقد أكد تقرير المركز الدولي لحرية الصحافة ارتفاع عدد مواقع الويب بلوجرزweb-loggers) ) العرب في الأعوام القليلة الماضية بطريقة مثيرة، وقال إنه بالرغم مما يبدو من تنوع هذه المواقع، فإن بينها قاسماً مشتركاً وهو أنهم يتميزون بحس نقدي عال ويشكلون بذلك تحدياً جديداً للسلطات في العالم العربي.

وتنبأ التقرير بنمو ال”البلوجرز” خلال السنوات القادمة لتصبح جزءاً من خريطة الإعلام العربي، مشيراً إلى أن ذلك سيحدث بسبب الافتقار إلى حرية الصحافة في قنوات الإعلام الرئيسة؛ وهو ما سيجعل المدونات تحظى برواج أكبر بين البلوجرز والقراء.

أيضاً بحسب نشرة أصدرتها خدمة “تكنوكاراتي” البحثية المختصة بالمدونات، فقد وصل عدد المدونات حول العالم إلى 41.6 مليون مدونة.

المصدر مجلة المجتمع

http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InNewsItemID=191302

Leave a Comment