مدونة عمر

العقلانية ليست شراً

Posted by: عمر on: 24 أبريل 2008

وليد سامي أبو الخير

العقلانية ليست شراً

وليد سامي أبو الخير

ثمة أسباب عدة، بعضها موغل في الخطأ والقصد السيئ وبعضها معافى منه وثالث بين بين، أما المعافى من القصد السيئ فهو ذلك التوجس المشرب بالحرص على المنظومة الدينية الموروثة، وهو إلى هذا الحد حرص مسوغ، أما أن يشتط فيصبح الموروث هو الحكم في كل نزاع وهو معقد الصواب وعدمه؛ حينئذ يحل إشكال التخبط في الدين وغيره، بنبذ كل جديد بحجة المحافظة على الموروث القديم، رغم أنه ليس بالإمكان ديمومة ذلك، إذ الحل الحتمي مع هكذا تحفظ هو غلبته بالمكاثرة والاضطرار، وهو ما حدث ويحدث بالفعل في وقتنا الحاضر، ولا أدل على ذلك أننا وفي وقت قريب سابق كنا نسمع من يعادي من ينادي بضرورة إحياء فقه الواقع وتقنين القضاء وتمدين الحقوق وتجديد الخطاب الديني كنا نسمعه يصم أولئك بالمبتدعة تارة كلفظة شرعية مضادة أو بالمميعيّن للدين كلفظة اجتماعية تارة أخرى، هي أكثر حضورا وتسويقاً، غير أن المغالبة أجدت نفعاً مع أولئك، علاوة على سنة التحديث الكونية، بذهاب ما هو زبد، وأصبحنا نسمع من يحارب بالأمس تلك الشعارات ينادي بها اليوم، ومثال قريب نسوقه أيضاً ما كان سجالاً في فترة قريبة حول التحليل العقدي للأحداث السياسية، وتباري فريقين محافظين حول هذه القضية، مع أننا لو أردنا استقصاءها تاريخياً لوجدنا ومن قبل الثمانينات الميلادية أن عددا لا بأس به من المثقفين السعوديين قد نبهوا إلى فداحة ذلكم التحليل الديني المتلازم مع كل ظرف سياسي، لكنهم وفي كل مرة كانوا يواجهون بالتوصيمات آنفة الذكر، الأمر الذي يثبت مدى غياب الوعي السياسي لدى الطبقة المتنفذة في الخطاب الثقافي الداخلي مقابل فشو أساليب الوعظ والزجر الدينيين إلى حد التضخم المرضي.

إنهم مع توجسهم اللاعقلاني من العقلانية يتخبطون في استراقاتهم الدينية، التي تغفل عن قصد جوانب مضيئة في التراث، ولعل المثال المحزن جداً والذي يسعفنا في هذا السياق هو مثال نبذ العلامة الحنبلي ابن عقيل، بوصمه بالمعتزلي تارة أو بالمتشيع تارة أخرى وهكذا، المهم دحض ما أتى به هذا الجهبذ من رؤى وأفكار، توجساً وخيفة منها ومنه، وهو أول من تكلم في باب السياسة الشرعية بكلام لا أروع منه، فضلا عن كونه متسقاً تماماً مع روح التشريع، حيث جاء في كتابه الفنون ثبتاً لمقتطفات من حوار له كان قد أجراه مع فقيه آخر شافعي، قال فيه: (إن قال شافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع، قال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: «إلا ما وافق الشرع» أي لم يخالف ما نطق به الشرع: فصحيح، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع: فغلط وتغليط للصحابة)، وهنا موضع الشاهد، أن حكر الفعل بما ورد به الشرع هو غلط وتغليط للصحابة، والصواب هو إشاعته ما لم يرد ما يدل صراحة على نكرانه، على الأقل اجتناباً لما أصبح ديدناً للعامة من سؤالهم عند كل مسألة تخالف المألوف من المعروف: أين الدليل؟ وكأن الصواب غدا هو المحتاج إلى إثبات وليس نفيه!

أختم بحادثة مضحكة وهي أن أحد من يوصم على الدوام بأنه علماني كان قد استشهد بنص ابن عقيل في كتاب له شهير ولما جاء أحد المحافظين للرد عليه أنكر فيما أنكر استشهاده بأقوال ابن عقيل الذي فيه ما فيه حسب زعمه، قلت في حينها ليته أنزله منزلة ابن القيم عنده الذي استشهد بالقول ذاته في كتابه: «الطرق الحكمية» وبنى عليه الكثير من الرؤى، إنها معضلة الخوف من العقلانية.
Waleed_99@hotmail.com

اترك رد

ستجد هنا كل موضوع أو تقنية أو برنامج يستحق أن يوضع في هذا المكان

 

أبريل 2008
السبت الأحد الأثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة
    مايو »
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

Blog Stats

  • 3,828 hits

Top Posts